محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
254
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وقت يرد إلا وللّه عليك فيه حق جديد وأمر أكيد ، فكيف تقضى فيه حق غيره وأنت لم تقض حق اللّه فيه . الحقوق الكائنة في الأوقات هي وظائف العبادات الظاهرة ، من : صلاة ، وصيام ، وغيرهما ؛ فمن فاته شيء منها في وقته المعين أمكنه قضاؤه في وقت آخر ؛ إذ قد جعل في ذلك مجال رحب فيستدرك فيه ما يفوته من تلك الحقوق . والحقوق المضافة إلى الأوقات هي المعاملات الباطنة التي تقتضيها أحوال العبد وواردات قلبه المتلونة عليه ، ووقت كل عبد ما هو عليه من ذلك . فالعبد مطالب بحقوق جميع ذلك عند وروده عليه ؛ إذ للّه تعالى على كل عبد عند كلّ حال يحلّ به أو وراد يرد عليه حق جديد وأمر أكيد ، ولا يسعه إلّا أن يوفيه إذ ذاك ، فإن فاته لم يجد مجالا لقضائه ، ولا يمكنه ذلك . فعلى العبد أن يكون مراقبا لقلبه حتى يقوم بمراعاة تلك الحقوق التي لا يمكنه قضاؤها إن فاتت . قال سيدي أبو العباس المرسي . رضي اللّه عنه : « أوقات العبد أربعة لا خامس لها : النعمة ، والبلية ، والطاعة ، والمعصية ، وللّه تعالى عليك في كل وقت منها سهم من العبودية يقتضيه الحق منكم بحكم الربوبية ، فمن كان وقته الطاعة فسبيله شهود المنة من اللّه عليه أن هداه لها ووفقه للقيام بها . ومن كان وقته المعصية فمقتضى الحق منه وجود الاستغفار والندم . ومن كان وقته النعمة فسبيله الشكر وهو فرح القلب باللّه . ومن كان وقته البليّة فسبيله الرضا بالقضاء والصبر » والرضا رضا النفس عن اللّه ، والصبر مشتق من الإصبار ، وهو : نصب الغرض « 1 » للسهام . وكذلك الصابر ينصب نفسه غرضا لسهام القضاء ، فإذا ثبت لها فهو صابر . والصبر ثبات القلب بين يدي الربّ ، وفي الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من أعطى فشكر وابتلى فصبر وظلم فغفر وظلم فاستغفر ، ثم سكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقالوا : ماذا له يا رسول اللّه ؟ فقال : « أولئك لهم الأمن وهم مهتدون » « 2 » أي لهم الأمن في الآخرة وهم المهتدون في الدنيا .
--> ( 1 ) الغرض : الهدف الذي ينصب فيرمى إليه . ( 2 ) أخرجه البخاري ( أذان ، 32 ) ، ( مساقاة ، 9 ) ، ( مظالم ، 23 ، 28 ) ، ( أدب ، 27 ) ومسلم ( إمارة ، 164 ) ، ( سلام ، 153 ) ، برّ ، 127 ) ، وأبو داود ( جهاد ، 44 ) ، والترمذي ( برّ ، 38 ) ، والموطأ ( صفة النبي ، 23 ) ، وأحمد بن حنبل ( 2 ، 375 ، 517 ) .